الاستعلاء الُمنَظَّم
يعد السعي نحو التميز المؤسسي مطلباً استراتيجياً وضرورة حتمية للارتقاء بجودة الأثر في العمل المجتمعي؛ بيد أن هذا التميز يظل هيكلاً بلا روح ما لم يقترن بـ "التواضع المؤسسي". فالعلاقة بين التميز والتواضع علاقة طردية؛ كلما ارتقت المنظمة في معاييرها الفنية، وجب عليها أن تزداد انخفاضاً في جناحها لمن تخدمهم. لكن الواقع يكشف أن طريق النجاح محفوف بالمزالق، فبقدر ما يمنح التميز من قوة، فإنه قد يورث نوعاً من الاعتداد الذي يتحول تدريجياً إلى سلوك سلبي منظم وعزلة شعورية عن المجتمع. وهنا مكمن الخطر؛ إذ تتعرض بعض المنظمات عند بلوغها مراحل متقدمة من التميُّز لخطرٍ خفي يُعرف بـ "نرجسية المنظمة"؛ حيث تتسلل مشاعر الفوقية إلى نفوس الموظفين دون إدراك، لتصبح "الغلظة" في التعامل هي العرف السائد، و"الجفاء" هو المظهر الخارجي للاحترافية، و"التجاهل" المتعالي الذي يُغلف بوهم الانشغال وعظمة المهام. إنها حالة ينسى فيها الموظف أنه "خادم للرسالة"، ليعتقد أنه "صانع للمنَِّة". ومصدر هذا الخطر لا يكمن في توجيهاتٍ إداريةٍ مُعلنة أو لوائح مكتوبة تنص على الجفاء؛ بل ينبعُ من 'سلوكيات القيادات' التي تمنح هذا النهج شرعيته الصامتة. فالموظفون لا يتبعون النصوص، بل يقتفون أثر أفعال رؤسائهم؛ وحين يرى الموظف قادته يمارسون الاستعلاء أو يغلقون أبوابهم، يظن أن هذا هو 'بروتوكول النجاح'، فيتحول السلوك القيادي المنحرف إلى ثقافة جماعية لا شعورية. تتجلى هذه العدوى السلوكية في أخطر صورها عبر "الاستبداد بالقرار"؛ حيث يسود داخل المنظمة شعور بأن تميزها الفني يمنحها الحق في اتخاذ قرارات أحادية الجانب في شراكاتها، دون اعتبار لرأي الشريك أو احتياجه. هنا يتحول مفهوم الشراكة من "تعاون تكاملي" إلى "تبعية إدارية"، ويمارس الموظفون - بشعور أو بلا شعور - دور الوصي. إن هذا الجفاء الجماعي هو في جوهره "خلل قيمي" مُغلف ببريق الجوائز. فمن الناحية الشرعية، يقع هؤلاء في محظور "المنّ بالأعمال" الذي يبطل الأثر ويذهب بالبركة، مصداقاً لقوله تعالى: "قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى"، ومن الناحية الإدارية، تعد هذه "الغطرسة التنظيمية" أولى خطوات التراجع؛ لأنها تعزل المنظمة عن نبض واقعها، وتجفف منابع الولاء لدى الشركاء الذين لا يقبلون التبعية مقابل التعاون، مما يؤدي إلى تآكل رأس المال الاجتماعي للمنظمة مهما بلغت قوتها التشغيلية. إن علاج هذه الظاهرة لا يكون بتعديل اللوائح فقط، بل بإعادة إحياء "فقه التواضع المؤسسي". يجب أن تدرك الكوادر البشرية أن الاحترافية الحقيقية تكمن في "لين الجانب" لا في "قسوة الإجراء"، وأن القوة الحقيقية لأي جمعية لا تُقاس بمدى قدرتها على فرض قراراتها الأحادية، بل في قدرتها على احتواء شركائها وخفض جناحها لمن تخدمهم. إن التميز الذي لا يثمر "رحمة" هو تميز ناقص، والنجاح الذي يورث "غلظة" هو طريق محقق للفشل المجتمعي مهما لمعت الأرقام. إن المؤسسة التي يبارك الله في أثرها هي التي تدرك أن المقياس الحقيقي لتقييمها ليس في شهادات الجودة المعلقة على الجدران، بل في دعوات المستفيدين وبساطة الوصول للقيادات وتمكين الشركاء. فالتواضع هو "زكاة النجاح"، والجمعية التي لا تؤدي زكاة نجاحها باللين والتواضع، تخاطر بصحة مسارها وقبول عملها عند الله ثم عند الناس.